مصطلح (المحدث) عند أهل الحديث

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد، فإن اصطلاح (المُحدِّث) عند أهل الصنعة من المصطلحات التي أُريدَ بها (الراوي) الذي انبرى للتحديث، فتحمَّل وأدَّى مَرْويَّاته، فلا يدلُّ على مدح بذاته ولا ذم، ولا جرح ولا تعديل، وقد أُطلِق على جماعة من الضعفاء والمتروكين، ومَن لا يُحتَجُّ بهم، وإليك في ذلك بعض نصوص كبار أئمة هذا الشأن، يقررون ذلك ويبيِّنونه:


قول الإمام شُعبة بن الحجاج رحمه الله:

قال ابن عَدِي في كامله: "حدَّثنا يُسر بن أنس أبو الخير، أخبرنا العبَّاس بن محمد، أخبرنا قُرَاد، قال: سمعت شُعبة يقول: و أتيتُ مُحدِّثًا عنده خمسة أحاديث، أصبتُ ثلاثة لم يسمعها".

قلتُ: وقوله: محدِّثًا؛ أي: راويًا، مع أنه من المُقِلِّين.

 

قول الإمام أبي حاتم الرازي رحمه الله:

قال ابن أبي حاتم الرازي في الجرح والتعديل: "مطرح روى عن الحسن قال: قال عمر رضى الله عنه: روع اللص، روى عنه سفيان الثوري، وقال بعضهم: مطرف، سمعت أبي يقول ذلك، وسمعتُه يقول: لا أعرف مُحدِّثًا يسمَّى مطرحًا إلا أبا المهلب".

قلتُ: وقوله: مُحدِّثًا؛ أي: راويًا.

 

وقال أيضًا: "سعيد بن سليمان العبدي روى عن عطاء، روى عنه عِكرمة بن عمار: سمعتُ أبي يقول ذلك، ويقول: ليس هو مُحدِّثًا، إنما هو رجل صَحِب عكرمة بن عمار، فسأل عطاء عن مسألة".

قلت: ونَفْي كونه مُحدِّثًا؛ أي: من أهل الرواية.

 

قول الإمام أبي زُرعة الرازي رحمه الله:

وفي ضعفاء أبي زُرعة: يذكر له البرذعيُّ أحدَ الرواة؛ فيُضعِّفه، ثم يذكر له سَمِيَّه؛ أي: مُحدِّثًا آخر اشترك معه في اسمه واسم أبيه، فيُوثِّقه.

قلتُ: وقوله واضح.

 

وقال أبو زرعة: "ضعيف تُوفِّيَ 188، كان صالحًا عابدًا مُحدِّثًا سيئ الحفظ".

قلتُ: سمَّاه مُحدِّثًا مع أنه سيئُ الحفظ.

 

قول الإمام البخاري رحمه الله:

قال الإمام البخاري في تاريخه الكبير: "محمد بن راشد السُّلَمِي الكوفي، وكنية راشد: أبو إسماعيل، وهو أخو إسماعيل بن راشد، سَمِع سعيد بن جبير، روى عنه الثوري، قال يحيى: مات سنة ثنتين وأربعين ومائة، قال أبو عبدالله: هؤلاء أربعة وُلِدوا في بطن واحد، عامَّتُهم مُحدِّثون؛ محمد بن راشد، وهو يعرف بمحمد بن أبي إسماعيل بن راشد، والثاني عمر بن راشد، والثالث إسماعيل بن راشد، ثلاثة منهم مُحدِّثون، والرابع لا يحضرني، وأظنه كان محدثًا".

قلتُ: قوله: مُحدِّثون؛ أي: رُواة.

 

قول الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله:

قال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: فإنَّا نتوخَّى أن نُقدِّم الأخبار التي هي أسلمُ من العيوب مِن غيرها، وأنقى من أن يكون ناقلوها أهلَ استقامة في الحديث، وإتقانٍ لِمَا نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليط فاحش، كما قد عُثِر فيه على كثير من المُحدِّثين، وبان ذلك في حديثهم".

 

قوله: المُحدِّثين؛ أي: الرُّواة.

وقال أيضًا: "وعلامة المُنكَر في حديث المُحدِّث، إذا ما عُرِضت روايتُه للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايتُه روايتَهم، أو لم تَكَد تُوافِقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجورَ الحديث، غيرَ مقبوله، ولا مُستعمَله، فمِن هذا الضرب من المحدِّثين...".

قلت: وقوله: المُحدِّث؛ أي: الراوي، والجمع كذلك، وفي مقدمة الصحيح غير ما ذكرنا.

 

قول الإمام ابن حبان رحمه الله:

وقد سمَّى الإمام ابن حبان كتابَه المجروحين بـ(المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين)، وعنى بذلك المجروحين من الرُّواة.

 

قول الإمام الحاكم رحمه الله:

وقال الحاكم في "معرفة علوم الحديث": "والمثال الثاني لهذا النوع من العِلم: أنْ يَروِيَ العالِم الحافظ المُتقدِّم عن المُحدِّث الذي لا يعلم غير الرواية عن كتابه، فينبغي أن يعلم الطالبُ فضل التابع على المتبوع".

قلتُ: وسمَّاه مُحدِّثًا.

 

قول الإمام الذهبي رحمه الله:

وقد نقل السيوطي في تدريبه عن الذهبي قائلًا: "متى رأيت المُحدِّث يفرح بعوالي هؤلاء، فاعلم أنه عامِّيٌّ".

قلتُ: سمَّاه مُحدِّثًا مع ما فيه من عامِّيَّة.

 

وبهذا يتم المراد... والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.


التعليقات
التعليقات

إضافة تعليق