عدم صحة رمي إسحاق ابن راهويه لمن لم يكفر تارك الصلاة بالإرجاء


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الامين وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد

فإني عندما أجد الفوضى عارمة في نسبة الاقوال للائمة الكبار دون تحقيق او بيان ولا تدقيق واهتمام ينبغي على المجدين من طلاب العلم الاجتهاد في تحقيق ما صح وما لم يصح من الاقوال وبيانها للناس ولو كان هذا القول في الملح المكتوبة للترقيق والوعظ والمناقب فنحن اهل الاسناد ولولا الاسناد لقال من شاء ما شاء .

ومن تلكم الفوضى ما ينسب للإمام إسحاق ابن راهوية بإنه يرمي من لم يكفر تارك الصلاة (بالإرجاء) وهذا انا اجده منتشرا بين طلاب العلم حتى صاروا ينقدونه وكأن ذلك مسلم ثابت عن اسحاق دون التحقق من صحة ذلك .

وسبب هذه النسبة الخاطئة هو ما توهم من كلام الحافظ ابن رجب الحنبلي في فتح الباري حيث ينقل عنه انه يقول :  وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة .وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم حتى إنه جعل قول من قال : لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة .

وهذا النص يوهم ان اسحاق يقول ذلك ولكن النص مبتور ينبغي قراءة كلام ابن رجب كاملا ثم تحقيق ذلك بالرجوع الى نصوص اسحاق ابن راهويه المذكوره ليعلم مقصده وقصد الحافظ ابن رجب في ذكر هذا الكلام .

قال في فتح الباري : فصل

خرج البخاري من حديث :عكرمة بن خالد عن ابن عمر ، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " بني الإسلام على خمس : شهادة ألا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج ، وصوم رمضان " . وهذا الحديث دل على أن الإسلام مبني على خمس أركان ، وهذا يدل على أن البخاري يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان .

ومعنى قوله صلي الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس " : أن الإسلام مثله كبنيان ، وهذه الخمس : دعائم البنيان وأركانه التي يثبت عليها البنيان . وقد روي في لفظ : " بني الإسلام على خمس دعائم " . خرجه محمد بن نصر المروزي .

وإذا كانت هذه دعائم البنيان وأركانه ، فبقية خصال الإسلام كبقية البنيان ، فإذا فقد شيء من بقية الخصال الداخلة في مسمى الإسلام الواجب نقص البنيان ولم يسقط بفقده . وأما هذه الخمس ، فإذا زالت كلها سقط البنيان ولم يثبت بعد زوالها وكذلك إن زال منها الركن الأعظم وهو الشهادتان ، وزوالهما يكون بالإتيان بما يضادهما ولا يجتمع معهما . وأما زوال الأربع البواقي : فاختلف العلماء هل يزول الاسم بزوالها أو بزوال واحد منها ؟ أم لا يزول بذلك ؟ أم يفرق بين الصلاة وغيرها فيزول بترك الصلاة دون غيرها ؟ أم يختص زوال الإسلام بترك الصلاة والزكاة خاصة .

وفي ذلك اختلاف مشهور ، وهذه الأقوال كلها محكية عن الإمام أحمد  وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة .وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعا منهم حتى إنه جعل قول من قال : لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة .

وكذلك قال سفيان بن عيينه : المرجئة سموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم ، وليسا سواء ، لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال : معصية ، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر : هو كفر . وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي صلي الله عليه وسلم ولم يعملوا بشرائعه . وروي عن عطاء ونافع مولى ابن عمر أنهما سئلا عمن قال : الصلاة فريضة ولا أصلي ، فقالا : هو كافر . وكذا قال الإمام أحمد .

قلت : الى هنا انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن رجب وهو ظاهر جدا ان المقصود هو ترك اعمال الجوارح بالكليه وان قوله الاركان ليست الصلوات بل هي الفرائض ككل .

فإن قيل ما هو الدليل على ان المقصود هو الفرائض وليست الصلاة ؟

نقول : الدليل هو ما نقله ابن رجب نفسه بعد هذا الكلام عن اسحاق وهو النص الذي اشار اليه في كلامه السابق وهو قطعي في ان المراد باركان الاسلام (الفرائض) كما سماها .

 قال : ونقل حرب عن إسحاق قال : غلت المرجئة حتى صار من قولهم : إن قوما يقولون : من ترك الصلوات المكتوبات وصوم رمضان والزكاة والحج وعامة الفرائض من غير جحود لها لا نكفره ، يرجى أمره إلى الله بعد ، إذ هو مقر ، فهؤلاء الذين لا شك فيهم - يعني في أنهم مرجئة . وظاهر هذا : أنه يكفر بترك هذه الفرائض .

وهنا يظهر الفرق بين ترك اعمال الجوارح بالكليه وبين ترك الصلاة فمن لم يكفر الاول فهو مرجئ ومن لم يكفر الثاني ليس كذلك والامر تكلم فيه اسحاق ابن راهويه في نص نقله محمد بن نصر المروزي:

قال : قال أبو عبد الله: سمعت إسحاق، يقول: قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر، وذهاب الوقت أن يؤخر الظهر إلى غروب الشمس، والمغرب إلى طلوع الفجر وإنما جعل آخر أوقات الصلوات ما وصفنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين بعرفة والمزدلفة وفي السفر فصلى إحداهما في وقت الأخرى فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأولى منهم وقتا للأخرى في حال، والأخرى وقتا للأولى في حال صار وقتاهما وقتا واحدا في حال العذر، كما أمرت الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس أن تصلي الظهر والعصر وإذا طهرت آخر الليل أن تصلي المغرب والعشاء.

الخلاصة

نص الحافظ ابن رجب لا يدل على ذلك

نص اسحاق ابن راهويه لا دلالة فيه على ذلك

لم نقف على نص صحيح صريح لإسحاق ابن راهوية يرمي فيه من لم يكفر تارك الصلاة بالارجاء ... والحمد لله رب العالمين